الأقسام الرئيسية

:: فاطمة المزرعي
:: مريم المزروعي

الأحداث

يناير 2009

M T W T F S S
  1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  
السابقالتالي


  outdoor
  indoor

Rss Feed


احصائيات

  • عدد الأخبار: 33
  • الأقسام الرئيسية: 2

  • المتواجدون الأن

    يتصفح الموقع حاليا 1 زائر

    أكبر تواجد كان 6 في :
    30-Dec-2008 الساعة : 07:53


    البحث



    الأدبيات    فاطمة المزرعي    كان الصوت يأتي من بعيد

    كان الصوت يأتي من بعيد

    17-11-2008

    كان الصوت يأتي من بعيدوكنت أعرف مصدره، وواثقا للغاية بأنه يأتي من هناك، من حيث ذلك المنزل القديم..

    كان المنزل لرجل في الخمسين من عمره، لديه بقاله صغيرة في نفس الشارع، اعتدنا الشراء منها دائما، واعتاد الناس أن يتعاملوا معه، كان صمته يثيرني وكنت استغرب منه، فهو ليس من النوع الاجتماعي ، كان يتضح الضيق على وجهه كلما بدا احد من الزبائن الحديث معه والسؤال عن بضائعه وأغلب زبائنه كانت من النساء، والغريب انه كان يبتسم كلما دلفت إلى دكانه امرأة، كان يتطلع إليها من رأسها إلى أخمص قدميها، ولم تكن نظرته خبيثة، كانت نظرة عادية،نظرة رجل لايعرف بالضبط ماذا يريد؟

    ولم يكن منزله يبعد كثيرا عن منزلنا، وكان دكانه قريبا من منزله..

    .وكان الصوت يأتي من هناك..من منزله

    -.صوت موسيقى كلاسيكية قديمة، ذكرتني بأيام الحروب والنكسات ، وبصراحة كنت أحيانا أتشاءم من هذه الألحان، وأظل طويلا وأنا متضايق في فراشي، وتأتيني الرغبة بالانتحار والموت، وأجد نفسي متشائما، كئيبا، حزينا، وشعور الوحدة والألوان القاتمة مرتسم في عيناي بوضوح شديد..

    كان هذا شعوري في البداية، ولكن مع الوقت بدا الفضول يقتلني، وبالأخص ما خلف تلك الألحان، كانت نافذتي تطل على نفس النافذه لتي تأتي منها الألحان، وبهدوء وقفت أمام النافذه، أزحت الستارة، وحملقت، كانت ابنة البقال، انها هي، لقد رأيتها مرارا تخرج من المنزل، وتذهب إلى بقالة والدها،  تساعده في حمل الأغراض، وترتيبها، ولكن مع الوقت صار يمنعها من الخروج، كانت في منتصف الثلاثينات، نحيفة للغاية، حتى أن عظمة رقبتها تبدو بارزة، ولديها أصابع طويلة، وعينيها جاحظتين، كنت مرارا أشعر بأنها مريضة، من نظرات عينيها، ذلك الحزن المرتسم في نظراتها، تبدو كسيرة، ذليلة، رغم ان والدها يحبها ولم يكن لديه سواها، ولكن هناك شيء ما يشغلها، يؤلمها ، يضايقها ..

    لأيام طويلة تظل وحيدة، لا أحد يزورها أو يدق بابها ، فتشغل نفسها بالرقص، كانت ترقص مع صوت الموسيقى وكنت أتابعها باهتمام بالغ من نافذتي، وجهها الشاحب الممتقع، عيناها الجاحظتين اللتين تمتلئان بالفرح كلما ارتفعت ساقاها عن الأرض وتعانقت يداها في حركة رائعه، هي تحاول أن تتعلم الرقص، تشاهد الحركات البهلوانية في التلفاز، ثم تقلدها، ورغم انني متأكد أن هناك من هي أروع وأجمل منها في الحركات وفي الشكل، ولكن حركات هذه الفتاة كانت تعجبني، محاولاتها العديدة، ومنظر وجهها المبتسم كلما طارت في الهواء، جعلني أشعر بشيء غريب، بحيث انني تعلقت بها، وكان أهل الحي من حولنا، ينظرون إليها من خلال نوافذهم، ويلقون عليها وعلى والدها وابلا من الشتائم اللاذعة، والسب والكلمات الوسخة، فما كان من والدها إلا أن أحضر لها ستارة باهته منقطة بالألوان البنية، ووضعها على النافذة حتى لا يراها أحد من الجيران، ورغم ان الكلام قد خفت تدريجيا، ولكن هناك بعض الهمس الذي كان يدور بين الجارات، وكنت أسمعه من جهة ، ومن جهة أخرى أقلبه في رأسي، فلا أرى فيما تفعله الفتاة عيب أو قلة حياء كما يدعين ، فصارت ترقص بحرية دون أن يستطيع أحدهم أن يتابعها، ولكنني كنت أنظر إليها في شغف ، أتابع تحركاتها الانسيابية على ستار النافذة، وتصل إلي الألحان، فأشعر بشيءمن التفاءل.

    كانت حركاتها قد طبعت في ذاكرتي، وعندما يستبد بي الضيق، افتح نافذتي وأتابع حركاتها بشيء من الفرح والرضا..وبعد فترة انتقلنا من هذا الحي، بسبب ظروف عمل والدي، وكنت أمر على البقالة أشتري ما احتاجه من المصاصات، لي ولأصدقائي في المدرسة، وكنت أتابعها من خلف ستارتها، لم تتغير ، انها نفسها ، أشعر وكأن هناك شيء ما في صدرها يغلي ، شيء يؤلمها، يحزنها، ومرت فترة طويلة، لم أمر على الحي، انشغلت بظروف الدراسة، وأصبحت والدتي تمنعني من الخروج بعد المدرسة..

    ذات مساء، مررت مع زملائي إلى منزل صديق حتى ندرس معه، وكانت الصدفة من نصيبي كان منزله هناك بجوار منزل صاحب البقالة ، واقتربت من المنزل، كان الهدوء يخيم عليه، ونفس الستارة الباهتة المنقطة بالألوان البنية، واستعدت ذكرياتي ، بدت وكأنها تتحدث أمامي، رأيتها ترقص وترفع ساقيها في فرح، ولكن لا لا، يبدو إنني أحلم، لاشيء، لاشيء سوى الظلام المخيم على المنزل، يبدو مهجورا منذ مدة طويلة، حتى البقالة، وسألت صديقي عنهما، فأخبرني بأن ابنته فاجأها مرض عضال، ولم يستطع علاجها، رغم انه صرف كل أمواله، فماتت ولم يحتمل مرضها، وظل مدة يبكي عليها، ويتصرف كالمجنون ويركض في الشوارع يبكيها، فلم يكن لديه أحد سواها، وتأثرت للغاية بها، ولم أستطيع الليلة النوم، كل ما شعرت به، جسدها النحيل، عيناها الجاحظتين، منظر ساقيها الطويلتين وهي ترقص على أنغام الموسيقى
    الكلاسيكية القديمة، وفي عينيها نظرة هي بقايا فرح لم يكتمل ..
     
    sur septembre 1, 2008


    الكاتب : فاطمة المزروعي
    نسخة للطباعة تقييم ارسال لصديق




    الاستفتاءات

    ما رأيك في الموقع ؟
    ممتاز
    جيد
    سيء



    النتائج



    جميع الحقوق محفوظة لـ : روضة الأدب © 2009
    برمجة اللوماني للخدمات البرمجية © 2008