طفلة بريئة أنا ، ترسم الحياة في معالم وجهي الناعم ، بعثرة ألوان دافئة ... أعدو في طرقات قريتنا ، أرسم بأناملي على جدرانها حلما جميلا لم تكتمل تفاصيله حتى هذه اللحظة ..في المدرسة ، لم يعلمونني معنى نشيد الوطن ، كان لساني يترنم به دون أن أفقه شيئا من كلماته .. فهل كانوا يظنون حب الوطن مجرد أنشودة يرددها التلاميذ في طابور كل صباح ؟ سنوات من عمري قضيتها بين جداول الكتب ونسمات القصص ، أروي عطشي من هذه ، وأتنسم عطرا من تلك ، فتعلمت أن أحترم كل كلمة ينطقها أي إنسان ، ولولم يكن شاعرا أو أديبا .. تعلمت معنى الحرية .. وأن أملك أشياء كثيرة ، أن أعدو بين الاشجار والأزهار ، أن احتضن كل الطيور إلى صدري ، ولكن لم يكن لي وطن يلثم أوجاعي .. فضاع كل معنى للحرية ؟ الليلة أقف أمام مرآتي ، أتحسس بأناملي ، ملامح رسم الذل ، عليها تقاطيع حادة ، فأغرق في بحر من الدموع .. الحرية !!! كلمة جميلة يرددها عامة الناس ، يحلم بها التعساء وأشقياء الأرض الذين أحرقتهم نيران الحرب ، فأي حياة تلك التي يسودها الألم والبؤس ؟ عشقت الأحلام ، فرسمت في دفتر مذكراتي حلما جميلا ، حمامة صغيرة ترقد في عش على سطح منزل بأمان ، فبخلت الحياة علي بكلمة تخفف من مصابي ؟ اليوم غدوت صبية في الثانية والعشرين من عمري ، أعد على أصابعي أيامي الباقية ، فأحاول انتظار مولد فجر جديد .. يأتي الليل ، يطرق الأبواب بصمته الموجع ، فيلف فحيحه الصامت من حولي ، فأظل غارقة في هدوء غريب لم أعهده في نفسي ..هكذا الغربة قاموس ، غامضة طلاسمه .. ذات مساء أخبرتني أمي وهي تحتضنني ، أن هناك أخوة لنا ، يعيشون في مكة والخليج العربي ، فبكت مقلتي دما ، والسؤال في أعماقي يكبر ، وأنا أغمس بنفسي في وحل عالمي ، وتفاهة أناس نسوا عروبتهم .. نصف قرن من الوجع والذل ، نصف قرن والمخيمات ترسم في موطني هالة من الألم .. نصف قرن ونحن نوقع شعارات السلام ، ونردد هتافات الحرية ، وأمام العامة يقتلون والدي بالرصاص ، ويلقون بشقيقي في سجونهم ، فأين حقوق الشرفاء الذين سكبوا دماءهم فداء لأوطانهم ؟ منذ أيام أحرقوا قريتي التي كانت تغص يوما برائحة الزهور ، وسحقوا بأقدامهم الثقيلة دميتي الصغيرة ، فلم يتبق لدي سوى الدموع ، وصورة قديمة أضمها إلى صدري ، صورة لأناس عشت معهم أجمل أيام حياتي .. الليلة أنا وحيدة في الطرقات ، أحلم بمولد فجر جميل ، أكاد أسمع همسه الرقيق ، كنعاس فراشة تلثم خدي بجناحيها ، فيكبر الأمل داخلي الثلاثاء 18 يونيو 2002