الهدوء يرسم لوحته الشفافة من حولي ، فتمتعني مشاهده البراقة ، فأجد نفسي أسيرا لألوانه ، لخطوطه ، فأقبع فيه .. نافذتي تضيق كل يوم بأحلامي ، فلا أجد سوى أن أتركها تلهو في نفسي ، فأهيم بها عشقا ، وانتظر اللحظات التي تجمعني بها ، انتظر الغروب ، سكونه القادم الذي يحمل بين طياته ، عبق مساء جميل .. تراني أتلهف للقائه ، عنده أحلامي كلها تتدفق بحنو ، وتفيض .. أجلس عند نافذة الحلم ، انتظر الغروب أن يحملني عند مرافئه وأفتح نافذتي ، أجعلها مشرعة ، لتتناثر فيها ذكريات كثيرة ، حبلى بالآهات.. عند الغروب تراني أهمس لنفسي عن نفسي ، عن نافذة الحلم الذي عشت دهرا أتجرع من كأس مرارتها ، ثمة أمور قد لا تفهمها .. نافذتي هذه عالمي ، شاشة تنقل أحداثها صور متناثرة ربما من عالم مضى أو مستقبل باهت ، تتمزق وريقاته الباهتة ، فتخترق حروفه الدامعة نبضات قلبي هنا عند نافذة الحلم ، بكيت ، والتهم الزمن المر كل أحلامي ، كل كلماتي التي ضمت أوراقي .. كلها انتهت ، شاخت ، ثم راحت تخفي بصرها عني ، وتشيح بنظراتها ، فلا أجد سوى دموعي .. أخفي حسراتي ، وأحاول اختصار المسافات بيني وبين نافذة الحلم .. كلا ، لم تعد هناك أية أحلام ولا نوافذ ، بل هو الجنون بعينيه .. نجمة تلوح في الأفق من بعيد ... تشق الدروب ، تقطع المسافات راجفة ، باردة ، وحيدة هي مثلي ، تحاول رسم ليلة جميلة دافئة .. تكافؤني بنور باهت ، يغمر شيئا من ظلمة طرقاتي العديدة ... أعود إلى نافذة الحلم ، مستسلمة ، لتفاصيل عديدة ، كثيرة ، وإن انتهت ، إنما بقت مغروسة في جسدي .. أصوات حادة ، تمتص عروقي ، فتلقيني جثة عارية على حافة طريق وعر .. أصوات من ماض مهزوم ، أصوات تخترق آذانا بريئة ، مناظر عديدة ، أتجاهلها من بينها منظر اتخذ من جسدي كفنا له ..فغدت كل قصائدي قبورا ، وفي كل قبر قصيدة من ماض مدحور ، تعس ، فأحاول أن أرسم مدينة حب محررة من كل الأحقاد ..ومن كل الأوهام .. هناك ليس بعيدا عن نافذتي ، أحاول بكل ألوان الغروب التي أعشقها، رسم وجه مضطرب يندلق من صفحة الذاكرة ، ليتربع فوق كل ممالك نافذة الحلم لا أكاد أنسى هذه الملامح بتفاصيلها اللذيذة ، نظرات تخترق عينيك ، كالأشواك في حدتها ، لا تدري كيف مرق أمامك ، كطيف شق سماوات عديدة ، وانغرس هنا في ذاكرتك .. وجه يعيد إلي شيئا من تفاصيل مدينة النسيان التي محوتها من ذاكرتي ، ليتني أرحل في ضباب عينيه ، فأصبح مجرد موجة يتيمة تعانق أمواجه العظيمة .. وجهه يطل أمامي من نافذتي ، يمسح كل المساءات التعيسة من حياتي .. أذكر يوم أن ضاق أفق أحلامي ، فدفنت كل بقايا من كلمات متفائلة داخلي ، جعلت كل الألحان تعزف موسيقاها الجنونية وتهمس لنفسها بأسرار كثيرة .. آه ، في كل يوم يطل وجهه ، فيكسر كل الخيالات داخلي ، يحيلني إلى طائر صغير يعشق الحرية ، يتشبث بأجنحته الرقيقة أملا في فجر جديد .. أحملق في الفراغ الذي أمامي بارتياع ، وحده القادر على انتشالي من بحيرة الدماء الغارقة فيها .. وحده من يبث شيئا من تفاؤله إلى بقايا تماسكي الواهن .. فلا أجد سوى الاستسلام لنظرات عينيه ، ذات مساء كانت جارتنا "أم سعيد" تتحدث عنه أمام والدتي ، وتصفه بأنه عالم غريب ومن الصعب الدخول إليه ، أو اجتياز عتباته " لا أعلم ما همست به والدتي لها ، كنت أعلم عشقه للكلمات ، وحدي أستطيع من نافذتي رؤية مشاعره ، يبدو أمامي كصفحة بيضاء ، نقية ، طاهرة ، تنسل كل مشاعره بغتة إلى قلبي ، فتسكن روحي .. تحاول كل الأمواج قذفي خارجها ، تلفظني .. فلا أجد بأسا من العودة إلى نافذتي ، نافذة الحلم .. كل الأمور غدت باهتة بلا طعم ، أو لون ، أو رائحة ، أوراق الخريف تتجمع أمام نافذتي ، فلا أمل من رؤية انعكاسات أشعة الشمس عليها ، والريح تداعبها بحنو ، خوفا من أن تؤذي وريقاتها الهشة الذابلة .. إلى أين ؟ كل المساءات غدت بائسة ، هو لم يعد نجما يلمع في سمائي ، نوره يخفت تدريجيا .. كنت أرسم سماء ملونة بكل ألوان الزهور والجداول وضحكات الأطفال السعداء .. يوم مهزوم سكنته كل الرعود ، فأمطر حتى كاد يفرق كل تلك المشاعر .. رخيصة تلك الأحاسيس .. يالها من حياة تعيسة ، جعلته أول نجم في عالمها المعتم ، فأحاله إلى ساحة جرداء تموء القطط الجرباء في طرقاتها .. رحل هكذا ببساطة ، سطر كل أحاسيسه بوريقة ألقاها في حديقتي الخربة ، قبل رحيله قرأت في عينيه كل قصائد الربيع الضاحكة ورغم أن تلك القصائد كان يشوبها شيء من الحزن والمرارة ، إلا إنها كانت دافئة ، ناعمة .. كل المساءات تدور في نافذتي ، يحاول مطر الشتاء غسل بعضا من حمقي ... وحبي الجنوني الأرعن له .. كم بدت لي كل الأشياء رخيصة ، حمقاء ، أحاول تجاهلها ، تكبر ويكبر كل شيء معي ، فتحترق كل معالم الضحك في نفسي ... فلا أجد نفسي سوى الانزواء بجوار نافذتي ... يداي الواهنتان ، تتحسسان ملامحي ، أحلامي الوردية منذ زمن بعيد ، تركتها على قارب لترحل بعيدا ، بعيدا ، ربما إلى جزيرة نائية تبحث عمن يرعاها ... أتذكرين ؟صوته يخترق نافذتي ، عشرون عاما منذ رحل ، أشياء كثيرة تغيرت ، قريتنا أصبحت مدينة ، شجرة الزيتون التي تجاور باب منزله شاخت .. نظراته تذر رماد الحزن في قلبي ، كل شيء فيه شظايا ، وكل شيء تحرق قلبي ، عشرون عاما ، انتظره ، كل القصائد احترقت ، كل المساءات ذبلت في عالمي .. عدت أتحسس شعري ، ملامحي ، دمعتان من عيني كانت كفيلتان بأن يجهش بالبكاء ، ويسارع إلى منزله ويغلق عليه بابه ... وهنا أدركت كل شيء ، عرفت سر دموعه ، لم تعد في قريتنا نافذة واحدة ، لقد أصبحت هناك العشرات من النوافذ ، بعضها أحلام والأخرى جنون... الأربعاء 5 يونيو 2002