فجأة ، توالت في رأسه كل الأحداث ، مرت أمامه شوارع مزدحمة بالناس والسيارات ، أصوات كثيرة ، متنوعة ، مختلفة ، بعضها مبهمة .. شعر بأن آلاف الشوارع تتطلع إليه الليلة بإشفاق ، يريد أن يواري رأسه المثقل بهموم لا حصر لها في غروب يبكي ويبكي فيه ، حاول أن ينفض ذلك الإحساس ، ولكن صوت ما ، في هذه الأعماق يدعوه ليمارس جنون الوداع بحثا عن وجه يغمره بالبهجة .. * * * * * يخفي وجهه ، وهو يقف أمام واجهة محل ضخم ، يعرض فيه أثاث غرف جميلة ، ورآه أحد العمال ، فأسرع إليه مبتسما في استغراب ، كانت الأضواء الباهرة تضئ ذلك الشارع ، ولكن الشاب وقف يحملق في الفراغ ، ولم يسمع حتى لنداءات العامل ، وسارع بالمغادرة بخطواته البطيئة ، والشحوب قد اعتراه حتى ليخيل لأي أحد من المارة بأنه سيسقط فاقدا للوعي .. التعب ينتشر في قدميه ، والشوارع قد بدأت تخلو شيئا فشيئا ، بعينيه رأى الليل قادما ، يكتسح بعضا من أضواء النهار الذي يعشقه ، أراد أن يحتويه ، أن يتقرب منه ويستدرجه ليسكن أعماقه ، ولكنه فوجئ بالظلام ، يمطر عواطفه بغتة نجوم الليل التي تختال على ذلك الرداء المخملي في سعادة مستفزة ، تثيره ، فيتمنى أن يجمعها ، ويضعها في صندوق ، ويغلق عليها حتى يحرمها من هؤلاء البشر القساة ، انهم لا يستحقونها .. يلمح من بعيد ، مقعد طويل ، يريح جسده المنهك ، وقدميه اللتين تطلقان أنين فاضح ، وضم ركبته إلى صدره ، وأراح رأسه عليها ، يستدفأ من البرد ، يريد نجمة … يحملها بين أحضانه ، فتبعثر في مملكته أضواء مبهرة ، تكاد تغشي الأبصار ، كل النجوم التي تزين سماء الليل للعاشقين ، والصامتين والمشردين ، أما هو فتكفيه نجمة واحدة ، نجمة تضئ صبحه ، فتغدو شمسه التي تحتضنه ، شمس دافئة ، توقظ كل معنى الحب في داخله … * * * * * تنبعث ضحكات طفولية ، وصوت صغير كصوت طائر السنونو يحلق في حديقة منزل جميلة … " هيا .. أرجوك ، ادفعني أكثر " تلمح في ظل زمن تنساب فيه أمطار ناعمة ، ظلال لطفلين ، صبية صغيرة تجلس في أرجوحة يدفعها صبي في عمر الزهور ، وهي تضحك فرحة ، تنساب موسيقاها العذبة بين السكون الغامر، فتملأه… تبتسم ، فتحتضنها عين فتاها ، يراها فراشة ، برفرفة جناحيها تدغدغه ، يرسم بأصابعه الصغيرة ، حلم جميل على لوحة الزمن ، يتمنى لو يكبر ويكبر حتى تملأ تفاصيله كل حياتهما … * * * * * في ضباب عينيها ، غابت ملامحه ، فانطلقت أحاسيسه متوقدة ، كوهج في سماء مظلمة ، فأضاءها … لمحها بنظراته وهي تخرج من مدرستها ، كانت واقفة ترى القلق في عينيها ، وهما تبحثان عن شئ فقدته ، ورأته ، سارع شوقها الزمن ليسكت عطشه ، واحتضنت أصابعه في حنان .. وفي دلال : " كيف تتأخر علي كل هذا الوقت ؟ ، كنت انتظرك " - ضحك ، فإذا بضحكته تخرج دافئة ، تسد ثغرات قلبها الممزق الذي يخفق كل لحظة :" اعذريني يا حبيبتي ، ولكن تعلمين قوانين الجامعة وصرامتها في الخروج باكرا ". - لا تهتم لعبارته ، ونظراتها توقظ فيه حب جميل دافئ ، فيتمنى إلا ترحل ، كما يرحل الفجر .. * * * * * هناك عند شاطئ ، أحتوى رماله كل قصائد الحب والعشق ، جلس بجوار حمامته الصغيرة ، يتلفق يدها في حنان ، يهمس لها بعاطفة جياشة … فشعر بروحها هناك ، يحتضنها غروب حزين ، بيديه يرسم قصرا على رمال الشاطئ ، فتضحك " إنه منزلنا ، أليس كذلك ؟ " يبتسم في سعادة ، وتكمل أنامله الرسم ، تتابعه في لهفة ، تتمنى لو تنقله على كراسة رسمها الصغيرة ، تطالعه كل ليلة ، وتدعو في سرها أن يصبح واقعا تتحسسه بيديها .. * * * * يفتح باب منزله ، ينظر إلى الوجوم الذي يحلق في المكان ، ساخرا منه ، فيسارع إلى غرفته ، الليلة سوف يتخذ قراره ، سيضم نجمته الصغيرة إلى قلبه، لكي يشرق صباحه .. لا يدري وهو يغادر إلى منزلها ، كيف واجه والده الصامت ، الغارق في عالم الخيالات والأوهام الفائتة ، وأمه التي أغرقته بثرثرتها عن تقاليد وأعراف لم تعد تنتمي إلى عصره ، سوى إنها ارتدت ثياب بالية ، وأصبحت تنغص عليه ليله ونهاره .. لم يكن يعلم بأنها كانت واقفة أمام باب غرفة الضيوف ، بسمعها تختلس بضعة كلمات متعثرة يتفوه بها ، وهو يوجه حديثه إلى والدها الصارم ، تحملق في الوجوه التي تتخيلها ، تتذكر حلم جميل داعبته أناملها الرقيقة على شاطئه بالأمس ، وسوف تجهضه أسرتها اليوم .. * * * * وخرج كالطير الذبيح ، يرتجف جسده ، كارتجافة المياه حين يسقط فيه حجر ، فتتشكل فيه دوائر تصغر تدريجيا .. تشهق أعماقه الكسيرة ، فتتسلق نظراته إلى عصفوره الجريح ، فيجدها تبكي ، يود لو يبقى لتحتضنها مشاعره ، وتمسح دموعها اللؤلؤية ، ينظر إليها بحزن مرير ، الكلمات تختنق في حلقه ، يحاول أن يحرر نفسه من قيود فرضها عليه مجتمع قاس ، عادات ، أعراف ، تقاليد ، أمور بالية ، وقفت كحجر عثرة في طريق زواجه منها . كادت دموعه أن تخدعه ، فتتصارع في السقوط لولا أن سارع وكلمات والدها تحرقه ، تزلزل كيانه . * * * * سافرت نفسه مع أحلامها الليلة ، رآها شاحبة ، حزينة ، دموعها ترتجف كريشة في مهب الريح ، "عدني إلا تتركني أبدا". شعر بعبارتها تلهب قلبه ، نفسه تدور كالنحلة في أماكن كثيرة ، عاش فيها معها ، كم انطلق الاثنان معا في أجواء الربيع ، فيذوب قلبه المنكسر فوق شفتيها ، الليل يعكر عليه صفو أحزانه ، أفكاره كلها تنساح هنا ، يتمنى لو يجد شاطئا أو بركة آسنة تحملها معها إلى بلاد بعيدة .. يصب لعناته على نفسه ، يبكي ، كانت مرحة ، نقية ، حلوة ، نسج معها قصة حب طاهرة ؟ فكيف تركها وحيدة ، تلوذ بغرفتها ، وأركانها المظلمة ، وبقايا من حب ، سيظل الزمن وبقسوته يذكرها به.. يرفع عينيه إلى الفجر ، بالأمس تضحك أعماقه فرحة ، وهي تنظر إلى فجر جميل يحمل في كل خيط من خيوطه التفاؤل ، والآن يبكي ، يشعر بأن الفجر يرثي لحاله ؟ * * * * * دقات قلبه تكاد تشق ذلك الطريق الذي يسارع جسده بقطعه ، رأى الكثير من الوجوه الغائمة ، وجوه لم يألفها ، ولا تريد نفسه أن تحفظها .. أين هي نجمته ؟ كيف لا تضيء ظلمة نفسه ؟ فاجأته ممرات عديدة ، كلها بيضاء ، وفي كل ممر كان يرى شيئا من ضحكتها وابتسامتها ، أناس بثياب بيضاء ، يحلقون في كل مكان ، أصوات معذبة ، آهات وكأنها تخرج من أتون سينفجر في أية لحظة . وعاد قلبه يئن من الألم ، حاول أن يخفف من دقاته ، لكنه عجز وهو يضع يديه على مقبض الباب ، ثم فتحه ، ورآها .. كلا ، نجمته على وشك الاحتضار ، إنها تفقد بريقها ، يقترب منها ، يمد يديه إليها ، يتحسس يديها بحنان ، ففتحت عينيها بصعوبة ، وقد علت شفتيها ابتسامة شاحبة ، واهنة ، وخرج صوتها ممزوج بفرح حزين :" الحمد لله إنني رأيتك قبل أن أموت "؟ خيل إليها ، أنها ترى بحر من الدموع في عينيه ، وتمنى هو لو يضمها بين مقلتيه ويحتويها داخلهما . "لابد أن تتعافى يا حبيبتي ، عندها سوف ننطلق معا ". احتضن يدها بين كفه ، وقربها من شفتيه ، وطبع قبلة حانية ، وهو يشعر بذلك العذاب الذي تخوض فتاته مياهه منذ رحيله .. * * * * ورحلت .. في ذلك الصباح الحزين ، فضلت أن ترحل ، سوف تصبح نجمة في عالمه هو فقط ، ستضيء عالمه المظلم .. لماذا تحرمنا الحياة ممن تحب ؟ لحظتها كره أشياء كثيرة في حياته ، سخر من عادات وتقاليد صاغتها قلوب لم تعرف الحب والأمل ، فتح عينيه على ضوء الفجر يغمر وجهه الشاحب ، سيعيش في وحدة صنعها كل الذين من حوله ، قتلوا نجمته ، سرقوا ضوئها ، سيترك لهم كل نجوم الليل ، وسوف يعيش متفائلا بنجمته التي تأتيه كل صباح .. ونهض من مقعده ، بخطوات شاحبة ، وعينيه هناك حيث الفجر الذي يبزغ بألوانه المحببة .. إلى نجمة الصباح ..