مد يديه إلى الفراغ بوهن خافت ، ودمعتين تجاهدان للخروج من عينيه الغارقتين في سواد لا يبرحه ، شفتيه المزرقتين ، تستنجدان به ، تخرج الكلمات من بينهما متقطعة كسمفونية حزينة ، مات صاحبها عنها منذ زمن بعيد ، فتركها تعزي نفسها برحيله : " أريد أن اتحسسها ، أن أسقيها ، دعوني أراها قبل أن أموت ، أرجوكم ". يرمقونه بعيون خاوية ، ممرضة تغير له زجاجة الجلوكوز ، يعاود صوته العزف القديم . . - " أرجوك ، يا إبنتي ، أخبريهم ، أريد أن أراها قبل أن أغادر عالمكم ". يده الواهنتين ، الخائرتين تكادان تنغرسان في ذراعيها ، فتنفضها في قوة ، تحدق فيه بنظرة لا يظن إنه سوف ينساها .. لقد أخرسته تلك النظرة ، وجعلته يدس انفعالاته في صدره .. * * * الشمس تحنو على أرضه الخضراء بأشعتها الذهبية ، فيقف ينظر إليها ، بعين الوالد ، الحاني ، المشفق ، يربت على سنابلها ، يداعبها ، ولا تمل يديه من المداعبة .. وجهه الذي رسم عليه الزمن ، خطوطا وألوان محببة ، والعرق الذي تساقط على جسده في غزارة ، كان يعشقها ، يلوذ بها كلما استبدت به الوحدة .. كانت رفيقته ، وحلمه الذي تبعثر منذ زمن طويل ، سمع صوت يأتيه من بعيد ، فرفع رأسه ، ونظر إلى وجه وملامح ، اعتاد رؤيتهما كل يوم ، ظهر قد تقوس ، وعينين ضمر بصرهما ، ووجه أعمل الزمن ما استطاع أن يفعل ، وجسد لم يكل الخريف أن يرسل إليه رياحه ، يريد أن يدفعه بكل قوته ، ينتظر أن يهزمه ؛ ليسقط في أية لحظة .. "بوصالح" أما زلت يا صديقي ، تعمل حتى الآن "؟ ابتسم "بوصالح" ومد ذراعيه ، يحتضن الرجل .. "أنت تعلم حبي لهذه الأرض يا شيخ "محمود" ؟ لم يجبه الشيخ ، في حين غرق "بوصالح" في ذكرياته تماما ، لقد رحلت زوجته وتركته مع أبناءه الثلاثة ، تعب والحياة تستنزف كل ذرة من جسده ، تمتص رحيقه ، حتى جعلته مجرد ورقة تعصف به رياح الخريف ، ولم يتبق ابنائه بجواره ، كلهم رحلوا ، تزوجوا وانجبوا الأبناء .. * * * * * سار إلى منزله ، وقد ألهبت شمس يوليو وجهه ، سوف يقضي اليوم كعادته يتناول شيئا من الطعام ، ويريح رأسه الذي يدور كالطاحونة ، سيحاول أن يلملم أفكاره ، ويتجرع من كأس الوحدة .. وسجلت عيناه كل جزء من قريته ، كم أحبها وأحبته ؟ كلهم كانوا يعرفون بهذا الحب ، حب أزلي ، وجد منذ زمن أجداده وآباؤه ، وسرى إليه ، استغرب من هذه النفس التي تهوي من تهوي ، وتعشق دون ضابط أو قيد .. وبانت على ملامحه المتغضنة ، ابتسامة ماكرة ، وقد أغمض عينيه ، لقد تصورها دائما بملامح جميلة ، حورية من حوريات الجنة ، تقتحم عليه منزله في ليلة دافئة تستتر بظلمة الليل ، عينان في لون الفحم ، وشفاه رائعة يذوب في دفئها ، وابتسامة .... ثم فتح عينيه ، وأجفل جسده ، وهو يرى شيئا لم يتوقعه ، انهم أبناءه الثلاثة واقفين بباب المنزل يرمقونه ، وأسرع إليهم كالطائر العائد من غربته ، تهفو نفسه للقاء أحبته ، واحتضنهم ، لم يشعر بدفئ مشاعرهم ، ولكنه لم يهتم وهو يقودهم من أيديهم إلى الداخل ، تلثمهم عيونه الجافة ، ينتظر كلمة تعيد ارتواءها .. "كيف حالكم يا صغاري ؟ لقد اشتقت إليكم كثيرا ". "إننا بخير يا والدي ، ولكنك تعلم الظروف ، لنا أبناء يطلبون الكثير ، وزوجات لا تسد عيونهن سوى التراب ". تنهد "بوصالح " وضحك في حنان :" هذه هي الحياة يا أبنائي ؛ لا بد أن تتعودوا عليها ، والآن هيا ، لا بد أن تتناولوا الطعام معي "؟ "مهلا يا أبي ، نحن لا نريد طعام ". وحملق "بوصالح " في الوجوه ، كان يرى نظرة خشي أن يهمس بين نفسه عن سرها ، ولكنه أبتلع لسانه في حلقه .. * * * * * الآن أدرك أن الوحدة أجمل بكثير من تلك الأمنية التي هفت نفسه إليها ذات ليلة عاصفة ، عوت كلاب الحارة فيها ، وضرب المطر سقف منزله ، حتى تسربت قطراته من بين الثقوب الباليه .. كلهم واقفين هنا ، أشبه بسد منيع يحيطون به ، يتحدثون عن ظروفهم ، وأحلامهم ، وأبناءهم ، وزوجاتهم .. عن سيارات فارهة ، ورصيد في البنك ، ومنزل فخم ، وأشياء كثيرة ، يتباهون بها كالطاووس الذي لمحه بالأمس عند جارته "أم عمران " .. رفع عيناه ، حملق فيهم بعتاب واضح ، ولكنهم أجابوه بنبرة جافة :"الأرض يا والدي ، إننا نريدها ". كلا لم يحتمل ، إنهم يريدون أن يختطفوها منه ، يسلبوها ، كم جاهدت هاتين العينين كثيرا ، أن تحتضنهما وتحميهما من البرد والأمطار ، والعواصف "؟ كلا ، صرخ بصوته ، وجسده يرتجف ، ويده تنتفضان وترتعشان .. "بالقانون ، سنأخذ حقنا سواء أرفضت أم أبيت ". * * * بكت عيناه حرقة ، غصت الأيام بكل تعبها ، هنا في صدره ، وقف أمامها يحميها بيده ، وبقدميه ، وبجسده الواهن ، بصوته الذي راح يخفت ويخفت .. هم يسحبونه ، يحيطون به ، هي تبتعد عنه ، رأى الخريف يسكنها ، فتمنى أن يضم بقايا من ثيابها إلى صدره ، لا يريد لها أن تضمر ، كما ضمرت نجومه بالأمس ، ورحلت غدرانه إلى أرض أخرى . بعين حزينة ، باكية ، يرمق حلم سلبه أبنائه ، وقدموه هدية لغيره ، رأى الأحلام تدفن تحت رغبات الناس الأنانيين ، مد يديه تتوسلان بضعة عطف من عصافير احتضنها في دفئه ، وأفترش لها رموش عينيه ، لتحتوي أجسادها الصغيرة .. سنة كاملة مضت ، أصبح الخريف رفيق له ، وفي تلك الليلة الذي عاد فيها إلى قريته واهنا ، هزيلا ، خجلا من أفعال عصافيره الصغيرة ، سارع إلى منزله ، وأعتزل فيه ، أراد أن يستمد ضوءا أو شعاعا واحدا يعيد إليه الحياة ... ثم سمعها تصرخ ، تبكي ، تتوسل إليه أن يحميها ، سارع يقطع الدروب والطرق الوعرة والمنازل ، وعيون مشفقة ، وقطط وكلاب ، ورجال يجرون الحمير ، وأراض تحرق ... ورآها ، رأى الناس الغرباء يحرقونها ، فاندفع إليهم ، أمجنون هو ... أيظن نفسه محارب قديم حتى يتحدى كل هذه الجموع ؟ رآها كأشجار خريف جردت من ملابسها ، تريد منه أن يصنع من رجولته درعا ، فيبعدها عن أعين البشر الفاحشة ، اندفع إليهم ، لا يعلم من أين جاء بتلك القوة والحماس ، صرخاته ترعبهم ، يتكالبون عليه ، يسارع يحتضنها ، يقبلها ودموعه تطلق العنان لتسقيها ... يراها طفلة بريئة تلعب بالطين ، وتصنع أشكالا طفولية على شاطئ مملؤه بالصدف ، يتخيلها فراشة تداعب أحلامه ، أو نورا صافيا ، عذبا يغمره بالحنان والعطف .. آه ، ما كل هذا الألم ؟ كل تلك المعاول تهشم في جسده ، دماءه تغرقها ، يتحسس جسدها الناعم بيديه ، يمسح دموعها ، فتلعق دماءه النازفة ، ويعزف قلبه المحب لها ، أنشودة جميلة تتراقص هي على نغماتها باكية ... وحده الشيخ " محمود " وقف باكيا ، يرمق جسد رفيقه الذي يعانق حبيبته ، يتذكر أشعارا وقصائد ترنم بها ... ورحل بعيدا عنهما ، وفي عينيه دمعتين ترثى كل واحد منهما ...