عندما كنت أدخل الصف على طالباتي ،أبدا بسؤالهن:”من منكن صائمة اليوم؟”،مع العلم بأنهن طالبات لم يتعدين الثامنة من أعمارهن، ولكن الكثيرات منهن يجاوبن بجملة :”أنا ،أنا صائمة يامعلمتي”.
وأكون على علم بعدم مقدرتهن على الصيام ،ولكن من باب التذكير بأننا في شهر رمضان وتشجيعهن على صيامه، وقد أخبرتني أحداهن بأن والدتها قد سمحت لها بالصيام لمدة خمس ساعات وينتهي عند صلاة الظهر وهذا ما يسمى ب”صيام الأطفال”،والأخرى تشتكي من وجع في معدتها ،لذلك أراها تمسك بالسندوتشات طوال الوقت حتى في وقت شرح الدرس ،يد في الجيب والأخرى في الدرج ! وهذا ما يسمى ب”الصيام المؤقت”.
تذكرت أيام الدراسة وكيف كان الجو شديد الحرارة أكثر من وقتنا الحالي ،فكنا كثيرا ما نعطش ولكن نستمر في الصيام على الرغم من غضب أمي ورفضها لصيامنا ،فوقتها كنت لا أزال صغيرة وكنت أرى زميلاتي يذهبن إلى دورات المياه ويغسلن وجوههن كثيرا فعرفت بعد ذلك ما الحكمة من هذا الغسل المستمر وهو رغبتهن في دخول الماء وتسربه بالغلط إلى الحلق ومنه إشباع للعروق.
ما أن ينتهي الدوام حتى أرجع للمنزل وأساعد أمي في الطبخ وإعداد الوجبات الشهية وآكل لقمة على غفلة منها ودون إن تراني وادعي الصيام حتى وقت الإفطار، فأكون أول الجالسين وكنت أضحك من أخوتي الأكبر مني سنا وأتباهى بأنني أحسن منهم وهم لا يدرون بأنني آكل في الخفاء.
مع الأيام تعودت على الصيام وكبرت وكبر عقلي معي ولم أعد أفعل مثل ما يفعل أخي الصغير الآن فهو يأخذ الأكل في الليل ويكدسه في كهفه ويأكله في الصبح ولا نجد غير الصحون الخالية التي تملا غرفته ويدعي البراءة، ومرات يأخذ العصائر ويشربها في الحمام أو في كراج المنزل حيث ركن السيارات.
والآن كل ما أتذكر هؤلاء الصغار وصيامهم أتذكر أفعالنا في كل رمضان من كل سنة وأتذكر أفعالنا التي يشيب لها الرأس.