الأقسام الرئيسية

:: فاطمة المزرعي
:: مريم المزروعي

الأحداث

يناير 2009

M T W T F S S
  1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  
السابقالتالي


  outdoor
  indoor

Rss Feed


احصائيات

  • عدد الأخبار: 33
  • الأقسام الرئيسية: 2

  • المتواجدون الأن

    يتصفح الموقع حاليا 1 زائر

    أكبر تواجد كان 6 في :
    30-Dec-2008 الساعة : 07:53


    البحث



    الأدبيات    فاطمة المزرعي    ورحلت

    ورحلت

    22-10-2006

    فجأة رحلت جدتي دون سابق إنذار ...
    لم أصدق خبر رحيلها ، قابلتُ هذا الخبر بنظرة ضائعة ، ولم يجرؤ لساني على الحديث ، فقد اختنقت الكلمات في حلقي ، وارتجفتُ بشدة ..
    - لقد أيقظ رحيلها المفاجئ أموراً كنتُ قد تناسيتها ، وأغلقتُ عليها منذ زمن قديم ..
    رفعتُ عيناي التائهتين أنظر إلى والدتي الغارقة في بحر دموعها ، غير مصدقة ما حدث ، فرغم أن جدتي –رحمها الله – كانت مريضة للغاية وتعاني من أمراض كثيرة لا حصر لها ، إلا أن موتها المفاجئ كانت صدمة بالنسبة لوالدتي ..
    لا أدري كيف مر الوقت علي سريعاً ؟
    والدتي أسرعت تحتضننا على عجلة ، وهي ترتدي عباءتها ، كانت تبكي وحمم من الدموع تغرق وجهها الباهت ..
    كانت تريد أن تراها قبل أن ترحل ...
    هذا ما رددته وهي تتحدث مع والدي في الهاتف قبل لحظات حينما أتاها خبر وفاة
    الجدة ...
    - وغادرت والدتي المنزل بسرعة ، كنتُ أنظر إليها في وجوم ، أرمقها بنظرة خاوية ، باردة ..
    صداع فظيع يؤلم رأسي ، أشعر بالغثيان ، لدي رغبة قوية أن أخفي وجهي في حضن دافئ يغمرني بالحب والحنان ..
    يمسح عني آلام حزني ، عدتُ إلى غرفتي ، خطواتي أصبحت بطيئة ، المنزل ساكن ، أخوتي كلهم نائمين ، أحاول أن أتمالك نفسي ...
    أغلقتُ الباب بقوة ، ولم تحتمل قدماي ، فتهاويتُ أمام عتبته ؛
    جدتي رحلت عن الحياة ..
    رددتها بقوة .. في داخل أعماقي وكياني وروحي .........
    كانت بيني وبين نفسي ، لقد رفضت أن تخرج إلى الساحة وبقيت صريعة داخلي ، لقد غادرت المكان دون رجعة ، دون عودة ، هل تفهمين ؟
    أي شيء أنتِ ؟
    كنتُ أحدث نفسي ، ألومها على قسوتها ، لماذا لم أبكي على رحيلها ؟ ولا دمعة
    واحدة ..
    إني أعذر أخوتي لأنهم لم يبكون ، ولكنها قامت بتربيتي ...
    - أسرعتُ إلى سريري ، وأخفيتُ وجهي في وسادتي ، فرفض جسدي النوم والراحة ، كانت أوصالي الليلة كلها تبكي وتئن ..
    تبحث عن قلب دافئ يحتضنها ، ويطفئ نيران الألم داخلها ..
    - شيئاً فشيئاً ، من بين تلك الصور التي احتلت ذاكرتي ، صورة في يوم من الأيام أحببتها بكل ذرة في كياني ..
    عشقتها بكل نبضة في قلبي ..
    صورة لامرأة عجوز ، قد غشي وجهها التجاعيد ، وداهمها الزمن ، فخارت قواها ...
    منذ فتحت عيناي ، طفلة صغيرة تلعب بدميتها الخشبية ، كانت إلى جواري ، تقوم بأعمال المنزل ، فوالدتي كانت تصارع مرضها ، ووالدي كان رفيق السفر دوماً ، لا يعود إلا بعد أربعة أو خمسة شهور ، يومها تصورت في طفولتي ، أن الرجال ، كل الرجال في العالم ، لم يخلقون إلا للسفر والعمل..
    - جدتي –وحدها- وقفت إلى جواري ، رغم إنها لن تعوضني عن حنان والدي الذي أفتقده حتى هذه اللحظة ، ولكنني تنسمتُ رحيقُ حكاياتها ، فغرقتٌ في تلك النشوة حتى إذني ...
    - في الليل ، كنت تجدني ألجأ إلى حضن جدتي ، أبحث عن شيء أفتقده في هذه الحياة ، فتتلقفني بسعادة ، لتبدأ في سرد الحكاية ..
    عندها كنتُ أحلق في عوالم جميلة ، متناسية وحدتي في هذا العالم المزدحم ، غير مبالية بمستقبل مجهول ، المهم أن هذه الحكايات تجعلني أنسى وحدتي ، خوفي ، مرض والدتي ، غربة والدي ، كنتُ أشعر بأن هذه الحكايات كلها لي ، وكان جواب جدي يأتي دوماً بالإيجاب ، وكان جوابها يملؤني بالسعادة ، ويشحن مشاعري كلها ..
    - كانت تحكي وتحكي بكل انفعالاتها ، وبمشاعرها ، وأحاسيسها ، وكنتُ أكتفي فقط بالاستماع إليها فحسب ، وقلبي يخفق سعادة ، وابذل جهدي لكي يتجاوز عقلي ، وعند منتصف الحكاية ، كان النوم يتسلل إلى جفن جدتي ، فأحاول بكل ما لدي من قوة أن أوقظها ، أحياناً تجدني أنظر إليها في براءة ، ولساني يسألها الاستجداء ، أريدها أن تنهض وتكمل لي سرد الحكاية ..
    -ولكن هيهات ، كان النوم قد أخذها هي الأخرى إلى عالم جميل ...
    فأجلس ُمسندة رأسي على الجدار ، أرمق النجوم من خلف النافذة ، بنظرة تائهة ، ينتابني شعور متناقض ، لقد اعتدت على الأحلام ، وأنا صغيرة لم أتعد الخامسة من عمري ، حكايات جدتي تتغلغل داخل روحي ، وتحيلني إلى عالم من العواطف المتنافرة والمتآلفة ..
    كان شيئاً ما في أعماقي يؤكد لي بأن هذه الحكايات قد أضافت إلي شعوراً بالانتصار ..
    كنتُ سعيدة ، وقلبي الصغير الظامئ يحلق منتشيا في عوالم من السعادة ..
    ومرت الأيام سريعة ، خريف ، شتاء ، ربيع ، صيف ..
    وعادت والدتي إلى المنزل ، ورحلت جدتي عنه ، كم أفتقدها ؟
    توالت أحداث كثيرة في حياتي ، وفاة جدي ، مرضي المفاجئ ، ثم رحيل جدتي ..
    -كلا ، وفتحت عيني ، كنتُ غارقة في بحر من الدموع ، وعدتُ أدفن وجهي في وسادتي أكثر ، فأكثر ..
    كان العجز والمرارة يحتلان جزءاً كبيراً من نفسي الليلة ، كانت أكثر لحظات حياتي ألماً ، وعذاباً ومرارة ..
    رحلت جدتي الحبيبة ، وتركتني خلفها غير قادرة على الاحتمال ..
    عيناي تدوران في كل مكان حولي ..
    كنتُ أراها في كل ركن من منزلنا ..
    أسمع كلماتها وحكاياتها في كل مكان ..
    وجهها لا يفارق خيالي قط ..
    وقلبي لا يمكن أن ينساها أبداً ..
    كم أشعر بالحزن لغيابها ..
    كم أشعر بالوحدة دونها ..
    قاسية هي روحي ، كالصحراء المترامية الأطراف !
    كم تجاهد هذه الدموع في الخروج من مقلتي !
    وعلى الرغم من كل ذلك ، كانت ذاكرتي تستعيد شيئاً من حكايات جدتي الراحلة ..
    السبت 20 يوليو 2002 


    الكاتب : فاطمة المزروعي
    نسخة للطباعة تقييم ارسال لصديق




    الاستفتاءات

    ما رأيك في الموقع ؟
    ممتاز
    جيد
    سيء



    النتائج



    جميع الحقوق محفوظة لـ : روضة الأدب © 2009
    برمجة اللوماني للخدمات البرمجية © 2008