تعتادُ على حياتك، لحظة إثر لحظة، تجدُ نفسك تلقائياً وأنت تمارسها يومياً، تتنفس، تأكل، تشرب، تسمع، تنظر، تحلم، تسير مشياً إلى عملك، وأحياناً توقف سيارة أجرة ، وتركبها ، متحملا وبصدق رائحة عرق سائقها الكريهة ،تمر الأيام، يوماً وراء يوم، وشهراً وراء شهر، وعاماً أثرعام، وأنت تمارس أمورك العادية ، ككل الناس ، بمختلف مستوياتهم الثقافية والعقلية، أعواماً كثيرة مرتْ من حياتك، تنتظر النهاية، وفي داخلك تعلم بأنك سوف تصل ُ إليها، لن تظل الوقت كله تعيش حياتك، بنفس العملية التي اعتدت عليها، لابد من نهاية لوجودك، لقد مات الكثيرون من رفاقك، ولا يزالون يسيرون بالتوالي إلى طريق الموت، أصداء ذكرياتهم تملأ عقلك الفارغ، ويدك وبشكل تلقائي تحذف أسماءهم بقلمك الأزرق الجاف ، فتتذكر الجنازات التي حضرتها مذ فتحت عينيك، يسحبونك من يديك، يجبرونك على الحضور إلى القبور الباردة، الموحشة، تظن أن الحياة كلها موت وغرق ومحن وحروب وضحايا
أعبر الشارع، اجتازه على قدمي، أمر بشوارع كثيرة، تبدو أمامي متشابكة، تغرق في بعضها البعض، يرتادها صنوف من الناس، يتحركون، يبدون كالنمل، أعودُ فأرقبها هذه المرة بمنتهى الدقة، محاولاً أن أسترجع أسماء المحلات والسيارات والأشخاص وحتى الكلاب والقطط عندما كنتُ صغيرا ..
كان في البداية، يريدُ أن يعمل أي شيء، فلم يكن لديه أية طموح بأن يصل إلى مرتبة كبيرة، فقط أن يعمل ويكون أسرة، ثم أصبح يبيع الجرائد، كان ينزل في الشارع، يمسك بالجريدة، ينادي في الطرقات، ينادي، العناوين الرئيسية كل يوم يقرأها بصوت عال، فتدوي في رأسه، لم يكن يصرخ حتى يخبرهم بمحتوى الجريدة، ولكن لإنه إعتاد أن يجعل الناس يهتمون بقراءة الأخبار علهم يستوعبون ولو بقليل ما بها..
كان من عادته أن يطوف المدينة على قدميه، حاملاً تحت إبطيه كومة من الجرائد، وفي اليد الأخرى جريدة، يلوح بها، مشيراً كالعادة إلى الأحداث الجسيمة التي تحتويها، كان يمشي بتأن، والجوع ينهش معدته، يمر من أمام مطعم، يشاهد الناس فيه، وفي داخله يحسدهم على حياتهم، على حياة الثراء وعدم الشعور بمفاهيم كثيرة، هو يدركها، يشعر بها، ربما لأن معدته خاوية، لفظ إنتباهه الرجل البدين الذي خرج من المطعم حاملاً في يديه كيس كبير ملي بالسندويشات، هاله منظر كتلة الشحم المتحركة أمامه، نظر إليه بتقزز، يا لهم من قذرين، أجسادهم تملأ هذه المدينة بالروائح النتنة، تذكر نفسه كيف أنه لم يتناول في اليوم كله سوى رغيف يأخذه من أجره بيع الجرائد، هكذا نحن أبناء الخبز، إنه الخبز الذي لا يأكله سوى الفقراء أمثالنا ..
دار في رأسه هذا الخاطر، وهو يعود خاوي اليدين إلى منزله، بعد يوم طويل حاط فيه بساقيه المتعبتين المدينة بأكملها، كان يحفظ أجزائها، شوراعها، حتى أماكن القمامة فيها، وجوه أشخاصها، ملامحهم التي تتباين بين التجهم والفرح، يأتي الصيف، تزداد الحرارة، تولد في نفسه أشياء، وتموت أشياء أخرى في هذه الأزقة وهو على حالته، راض بهذه المهنة الوضيعة ، يحاول أن يخفف الحرارة التي بدأتْ تشتعل في جوفه، يعطش جسده أكثر، يودّ لو تطل أمامه حديقة ورافة بالظلال حتى تسكتْ عطشه ..
أحرك قدمي وأنا أجتاز المنازل نصف المتهدمة، أقسم أن لا أحد من هذه الجثث المترفه تأبه لنا، حتى وأن ضرب واحد من المغفلين الأثرياء بيتا من بيوتنا بسيارته الفارهة، سوف يهرع لسيارته خوفاً عليها، دون أن يهتم للضحايا ..
سقف منزلنا المتهدم، ومنازل أخرى بجوارها، الحارة الغارقة في المجاري، ومنظر الأطفال الصغار والنساء بملابسهن الطويلة، وهن يلتقطن المياه بالجرادل والأواني الصدئة، والصراصير والفئران التي تختبأ في الثقوب، إنها مثلنا دون ذاكرة ، دون أحلام ، ولامستقبل ، سوى أن تأمن لنفسها الطعام في هذه اللحظة ، وفي الليل تخرج، تبحثُ عن طعامها، تجتاز الوجوه المتعبة، كالعادة، لتبدأ جولتها الليلية بأمان، وهي تعلم بأنها لن تتعرض لضيق من أحدنا، لأننا أشبه بالجثث الميتة، وأحيانا كنا نشعر بأقدام الكبار وهي تطأ علينا، دون أن تشعر حتى بأجسادنا ..
الصباح يأتي، تولد أمور في حياة الناس، وتموت أخرى، تعود تتنفس، وتأكل وتشرب وتنام وتحملق في الشابات الصغيرات اللواتي يحملن حقائبهن، تعجب بقوامهن الرشيق،فتعود بذاكرتك إلى كومة المجلات النسائية على سريرك ، تطفئ بها رغبتك الليلية ممنيا أن يلامس طرف من اصبعك خد واحدة .
ويبدأ عملي كالمعتاد في بيع الجرائد، أطوف المدينة، أنادي على الأخبار اليومية، ربما هذا حالي لو كنتُ حياً، ولكنني الآن في مقبرتي ذات الرائحة المتعفنة، على طرف المنازل المتهدمة، والتي كنتُ أعيش فيها يوماً ..
الكاتب :
فاطمة المزروعي