البحر بأمواجه الغاضبة ، الثائرة ، تضرب الصخور بسمفونية حزينة ، الليل كعادته يجلس فاردا عباءته السوداء ؛ محتضنا قمرا فضيا تحت أجنحته القاتمة .. النجوم تتراقص بنورها الباهت ، تداعب البحر .. وهناك رأيته من بعيد .. يجلس على صخرة صغيرة ، وجهه الشاحب ، عينيه الملهوفتين ، يرمق بهما البحر بنظرة مبهمة ، ربما أقربها نظرة عاشق قد رحلت عنه معشوقته ، وتركته دهرا يهيم في صحراء حبه .. -تقترب منه موجة ناعمة ، تداعب ساقاه ، أراد أن يركلها ، ولكن شيئا في نفسه ، جعلته يرفض مجرد أن يلمسها ، يعود فيرنو بناظريه إلى السماء ، يحنو عليها بنظرة عطف ، تلمع واضحة في مقلتيه ، عبرة مريرة تتسلل إلى عينيه .. تلوح أمامه ابتسامة ناعمة ، ضحكات رقيقة ، كان وجهها الجميل يملأ عقله وخياله ، ويمنع النوم من التسلل إلى أعماقه ، أعصابه المتوترة الليلة تصرخ ساخطة ، مستنكرة لوعته وجزعه .. * * * * -يتناهى إلى مسامعه صوتها العذب الرقيق ، ألحانها الجميلة ، صورتها الشاحبة ، عينيها الحزينتين اللتين كحلهما الزمن بالأحزان فقط .. تتراءى أمامه بضعة آمال ورغبات تغرق قلبه ، فيتلوى من الألم ،أحلام يرسمها معها هنا ، على هذا الشاطئ ، وحكايات وقصص احتضنتها دفتر مذكراتها الصغيرة ، تعود الأمواج الثائرة ، تعزف موسيقاها الروتينية ، اليوم لا يهتم بهذه الأمواج ، ولا تهفو نفسه إليها ، يرفضها ، رغم إنه عاشق لها ولثورتها ، لألحانها الناعمة .. -كلا ، يصيح بها بمرارة ممزوجة بالحسرة ، لا لم يرفضها ، هي كل كيانه ، بل ربيع قلبه ، أحزان يومه وأمسه ، فراشات وطيور وأحلام كالحرير ، بقايا ذكرى جميلة ، وعبرات ساخنة ، تحمل لواعج الحب ، ذكرى سوف يحملها بين حنايا صدره .. تاهت نفسه في ممرات عديدة ، أرهقت ذكرياته المحمومة من طول العذاب ، لاحت له بصورتها البريئة ، بضحكتها الطفولية ، ودموعها اللؤلؤية .. * * * * غصت الكلمات في حلقه ، اضطربت نفسه ، ملامحها تؤرقه ، يقترب شيئا فشيئا ، مشاعره منذ أن فتح عينيه على هذه الدنيا ، وهي في رحلة لا تنتهي .. واليوم قدماه تقتربان من أمواج البحر ، يتوق إلى أن يضمه بين أحضانه ، لعله يطفئ لهيب المرارة التي تعتريه .. -أمواج البحر تقترب منه ، تحنو على قدميه ، تتوسل إليه ، حتى يأتي إليها ، يقترب ضوء القمر الفضي ، يغمر جسده ، يلقي بنفسه في البحر ، وجهها الجميل يلوح أمامه ، تبكي أعماقه في مرارة ، يتذكر شيئا من دعاباتها الرقيقة ، ماضيه الحزين ،.. الأمواج تجذبه ، وروحه ترحل إليها ..